عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
81
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
لكن جملته هناك فقد حوى التفصيل تحقيقا بغير مراء وبه فتعلم ذاته خلاقنا * وبه فيعلمنا عن الأهواء وبه فنعلمه ونعلم ذاتنا * فاعجب لفرد جامع الأشياء اعلم أن العلم صفة نفسية أزلية ، فعلمه سبحانه وتعالى بنفسه وعلمه بخلقه علم واحد غير منقسم ولا متعدد ولكنه يعلم نفسه بما هو له ويعلم خلقه بما هم عليه ، ولا يجوز أن يقال إن معلومات أعطته العلم من نفسها لئلا يلزم من ذلك كونه استفاد شيئا من غيره ، ولقد سها الإمام محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه حيث قال : إن معلومات الحق أعطت الحق العلم من نفسها فلنعذره ولا نقول أن ذلك مبلغ علمه ، ولكنا وجدناه سبحانه وتعالى بعد هذا يعلمها بعلم أصلي منه غير مستفاد مما عليه المعلومات فيما اقتضته من نفسها بحسب حقائقها غير أنها اقتضت في نفسها ما علمه سبحانه منها فحكم لها ثانيا بما اقتضته وهو حكمها عليه ، ولما رأى الإمام المذكور رضي اللّه عنه أن الحق حكم للمعلومات بما اقتضه من نفسها ظن أن علم الحق مستفاد من اقتضاء المعلومات فقال : إن المعلومات أعطت الحق العلم من نفسها وفاته أنه إنما اقتضت ما علمها عليه بالعلم الكلي الأصلي النفسي قبل خلقها وإيجادها فإنها ما تعينت في العلم الإلهي إلا بما علمها وإلا بما اقتضته ذواتها ثم اقتضت بعد ذلك من نفسها أمورا يعني غير ما علمها عليه أو لا فحكم لها ثانيا بما اقتضته وما حكم لها لا بما علمها عليه فتأمل فإنها مسألة لطيفة ولو لم يكن الأمر كذلك لم يصبح له من نفسه الغني عن العالمين ؛ لأنه إذا كانت المعلومات أعطته العلم من نفسها فقد توقف حصول العلم له على المعلومات ، ومن توقف وصفه على شيء كان مفتقرا إلى ذلك الشيء في ذلك الوصف ، ووصف العلم له وصف نفسي ، فكان يلزم من هذا أن يكون في نفسه مفتقرا إلى شيء تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فيسمي الحق عليما بنسبة العلم إليه مطلقا ، ويسمى عالما بنسبة معلومية الأشياء إليه ، ويسمى علاما بنسبة العلم ومعلومية الأشياء له معا ، فالعليم اسم صفة نفسية لعدم النظر فيه إلى شيء مما سواه ، إذ العلم ما تستحقه النفس في كمالها لذاتها . وأما العالم فاسم صفة فعلية وذلك علمه للأشياء سواء كان علمه لنفسه أو بغيره ، وأنها فعلية لأنك تقول عالم بنفسه ، يعني علم نفسه وعالم بغيره يعني علم غيره ، ولا بد أن تكون صفة فعلية . وأما العلام فبالنظر إلى النسبة العلمية اسم صفة نفسية كالعليم ، وبالنظر إلى نسبة معلومية الأشياء له فاسم صفة فعلية ، ولهذا غلب وصف الخلق